ندوة بعنوان: "مدنية الاحوال الشخصية هي الحلّ ام المشكلة" في نقابة المحامين في طرابلس

ندوة بعنوان: "مدنية الاحوال الشخصية هي الحلّ ام المشكلة" في نقابة المحامين في طرابلس

23/02/2019


برعاية نقيب المحامين في طرابلس محمد المراد ،نظمت جمعية " انا وإنت إيد بإيد" ندوةً تفاعلية بعنوان: "مدنية الاحوال الشخصية هي الحلّ ام المشكلة ، حاضر فيها كلٌ من سماحة رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا في لبنان الدكتور القاضي الشيخ محمد عساف، ورئيس محكمة الإستئناف للروم الكاثوليك للشرق الأوسط سيادة مطران صيدا ودير القمر الدكتور المطران ايلي حداد ممثلاً النائب البطريركي الماروني للشؤون القضائية والقانونية سيادة المطران حنّا علوان وذلك في مقر النقابة في طرابلس .

حضر الندوة مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار، الرئيس نجيب ميقاتي ممثلاً بـ برئيس دار العلم والعلماء عبد الرزاق قرحاني،سعادة النائب سمير الجسر،الوزير السابق عمر مسقاوي، النائب جوزيف إسحاق،المطران أفرام كرياكوس ممثلاً بـ رئيس المحكمة الروحية الرثودوكسية في الشمال ابراهيم شاهين، رئيس اللجنة الأسقفية للحوار الإسلامي المسيحي في الشمال المطران عصام درويش ممثلاً بـ منسق اللجنة جوزيف محفوض،رئيس المحاكم الشرعية السنية في طرابلس القاضي عبد المنعم غزاوي، نائب عام المحاكم الشرعية في لبنان القاضي زياد الشعراني، العقيد محمد عرب، نقيب المهندسين بسام زيادة، النقيبان خلدون نجا و عبد الرزاق دبليز، مدير كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد علم الدين، الدكتور محمد الجسر، الدكتورة ميرفت الهوز ،رئيس حركة حق وعدالة في لبنان جورج بطرس، المدير الإقليمي لمؤسسة مياه لبنان الشمالي خالد عبيد، القاضي نبيل صاري، وقضاة شرع ومحاكم روحية،وشخصيات سياسية، ودينية، وحقوقية، ونقابية ومحامين بالإستئناف ومتدرجين.

البداية مع النشيد اللبناني ،ثم كلمة ترحيبيةٍ من رئيسة الجمعية السيدة ياسمين غمراوي قالت فيها:
الزواج الشرعي والروحي عقدٌ ثنائي علني، ذو صفةٍ دينية،يتفق فيه رجلٌ وإمرأة على الحياة معاً بغية تكوين اسرة،ويختلف عن غيره من العقود، بأن مفعوله لا ينحصر بطرفيه فقط، بل هو نظامٌ إجتماعيٌ ذو قدسية خاصة، فالزواج آيةٌ من آيات الله ،اما الزواج المدني، فهو زواجٌ قانوني لا ديني، حيث تكون الدولة وقوانينها وأحكامها هي الفاصل الاول والأخير في هذا الزواج، بدلاً من احكام الشرع والكنيسة، فأي شخصان يقرران بأن يكون زواجهما مدنياً، لا يمكن لأي شريعةٍ دينية أن تتدخل في زواجهما.
وتابعت غمراوي: إن المسلمين في لبنان سُنةً وشيعةً بمرجعياتهم، اجمعوا على رفض الزواج المدني، لأنهم يعتبرون إستبدال احكام الشريعة بأحكامٍ وضعيةٍ وضعها إنسان من الممكن ان يُخطأ وان يصيب، على أحكامٍ وضعها رب العالمين وهو الأعلم بعباده، اما المرجعيات الروحية المسيحية، فأقرّت رفضها للزواج المدني في لبنان، بإعتبار أن الزواج سراً إلهياً من أسرار الكنيسة، وبالأمس اعلن غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، أن لا خيار للمؤمن بين الزواج المدني والكنيسي، فالمؤمن عليه إحترام قدسية الكنيسة.
وختمت غمراوي قائلةً: بالرغم من كل هذه الأسباب بقيت المطالبة بالزواج المدني مستمرةً عبر الندوات وبعض الجمعيات وهيئات المجتمع المدني، واليوم ومن صرح نقابة المحامين الحارسة على حماية الحق والعدالة، جئنا لنطرح عليكم سؤالاً، مدنية الاحوال الشخصية هي الحل أم المشكلة؟ ، وهل البديل المطروح هو الأفضل، وهل الحلّ هو إلغاء دور المحاكم الشرعية الروحية ،أم تطوير آليات بحثٍ في القضايا المطروحة، وهل ياتُرى الذين يثطالبون بمدنية الاحوال هم على اضطلاعٍ ودراية بما يطلبون.


المراد
ثم ألقى راعي الندوة نقيب المحامين في طرابلس محمد المراد كلمةً قال فيها: لا شك ان الموضوع قد أخذ نقاشاً، توصل الى عنوانٍ تُرجم بهذا اللقاء القيّم، في نقابة المحامين، دار الحوار، الملتقى الذي تتلاقى فيه هذه القيم المتنوعة والمتكاملة، في موضوعٍ دقيق ندرك تماماً انه دقيقٌ ودقيق جداً، واتحدث هنا من موقعي كنقيبٍ للمحامين، هذا الموضوع ليس إبن هذه الساعة، وليس ابن هذا الشهر او هذه السنة، فإذا ما عدنا بالذاكرة نجد ان المسألة كانت مطروحة في عام 1926، كما نعلم تماماً ان الموضوع عاد وطُرح عام 1933 من قبل المفوض الفرنسي، ونتيجة لهذا صدر القرار 60 ل ر، وحينها اعترف بالعائلات والطوائف في لبنان، وأعطى أحكاماً متعلقةً بهذا الموضوع، وفي عام 1939 أُعترض على بعض أحكامه، ومن هنا أُستثني أكثر من موضوع من هذه الأحكام ،بموجب القرار رقم 53 الذي صدر في العام 1939، الذي استثنى وقتها الطوائف الإسلامية، هذه المسألة ربما تكون قد أنشأت مايُسمى بطائفة القانون العادي، والدستور اللبناني بمادته التاسعة، أعطى صيغةً مختلفةً للطوائف وحقها على المستوى اللبناني، وجاء قانون الـ 96 ليضيف للـ 17 طائفة، طائفةً جديدة.


وتابع النقيب المراد قائلاً : من هنا اريد ان أُلفت ان التزامن الذي حصل بين عنوان هذه الندوة، وبين ماقيل عن الزواج المدني، نحن نقول ان الطوائف الكريمة المعترف بها في لبنان، معترفٌ بها دستورياً، وأيضاً هذا القرار أعطى لمن يرغب بأن لا يكون له دين، ان يتنمي الى هذه الطائفة بموجب المادة رقم 14، ولكن هذا القرار لم تصدر مراسيم تطبيقية به منذ عام 1933، فالمسألة ليست جديدة، وليست ثابتة، فيها الكثير من التحرك والتعارض، واليوم سماحة الشيخ عساف، وسيادة المطران، وأيضاً المجتمع المدني، سيشرحون لنا آراءهم، التي تتلاقى وتتماهى مع هذه الأفكار، لأننا ندرك ان هؤلاء الكبار يستطيعون أن يقاربوا هذا الموضوع بمسؤولية عالية وبدقةً متناهية.

وختم المراد قائلاً : على ضوء ماسنسمع من مقاربات التي نعتقد جازمين انها ستُحدث مساراً إيجابياً في إطار هذا الموضوع الحساس، ونحن كلبنانيين، نعيش في تقاليد مشتركةٍ، نحرص عليها وندافع عن قيمنا وأخلاقنا، لأننا في الأصل نحن نبتغي الحفاظ على العائلة، نبتغي الحفاظ على الإنسان وكرامته وحقوقه، مستقراً آمناً مطمئناً.

ثم افتتحت المحامية الأستاذة رنا دبليز البرازي الندوة قائلةً : نحن اليوم أمام واقعية مع أنفسنا، من خلال الوقوف بموضوعية أمام أسباب المشكلة والحل، وهذا مايجعلنا نتساءل: هل استبدال قوانين الأحوال الشخصية للطوائف الإسلامية والمسيحية بقوانين مدنية يُحقق فعلاً العدالة والمساوة؟ وهل المشكلة في القانون أم في فهمه،او في طريقة تطبيقه.. أم المشكلة في الحاكم الشرعي أو الروحي مصدر الأحكام.

عساف
ثم القى سماحة رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا في لبنان الدكتور القاضي الشيخ محمد عساف كلمةً اكدّ فيها أن الهجوم على المحاكم الشرعية وإلغائها ليس بالجديد، فكان هم بعض الأشخاص منذ منتصف القرن الماضي إلغاء المحاكم الدينية، طارحاً قانون الزواج المدني، فكان الفشل حليفهم، ثم حاولوا مرةً أخرى بإسم قانون الزواج المدني الإختياري، فلن يفلحوا بذلك، وهاهم الآن قد برزت انيابهم من جديد، وحاولت مخالبهم ان تطال المحاكم الشرعية والمذهبية والروحية، بإقتراح قوانين جديدة بأسماء براقة تدغدغ المشاعر، وتُثير العواطف، تارةً بإسم قانون زواج القاصرات، وتارةً بإسم حماية النساء وسائر افراد الأسرة من العنف الاُسري.

وأوضح عساف أن الزواج المدني سواء كان إختيارياً او إلزامياً، يبقى زواجاً مفككاً للاُسر، خاصةً في قضايا الإرث والتبني، فالقضاء المدني ليس حلاً،وهناك حالاتٍ يتساوى فيها الإرث للمرأة والرجل، واحياناً أكثر من الرجل، ولكن رغم ذلك لا نستطيع المساواة بين الرجل والمرأة، فالله خلقهما ليكملا بعضهما ، ولا نستطيع ان نخالف حكم الله في هذا.
ورداً على سؤال عن الشعور بالغبن في المحاكم الشرعية قال عساف: الغبن يكون بعدم دراية المتقاضي بأحكام الشريعة، والمحاكم الشرعية دوماً مقبلة على إجتهاد .

وفي سؤالٍ عن ضمان حقوق المرأة ردّ عساف : نحن في الدين الإسلامي، أكثر من يكرّم المرأة ويحفظ حقها، والقانون الشرعي يساهم في الدفاع عن حق المرأة وتأمين نفقاتها وحمايتها.

وختم عساف قائلاً: انّ هذه القوانين المدنية ماطُرحت الاّ لمحاولة إلغاء المحاكم الشرعية والمذهبية والروحية، خاصةً عندما نجد ان هناك مواداً في هذه القوانين، تقضم من صلاحيات هذه المحاكم، وتعطيها لقاضي الاحداث تحت مُسمى حماية الحدث، او تعطيها للقاضي الجزائي تحت عنوان حماية المراة فسمحت لهم إعطاء سلفة على حساب النفقة مع العلم أن نظام أحكام الأسرة المعمول به لدى المحاكم الشرعية السنية أجاز للقاضي الشرعي إعطاء سلفةٍ على حساب النفقة.


حداد
ثم أوضح رئيس محكمة الإستئناف للروم الكاثوليك للشرق الأوسط سيادة مطران صيدا ودير القمر الدكتور المطران ايلي حداد، نظرة الكنيسة بالنسبة للزواج المدني قائلاً: نحن في بلدٍ ذو طابعٍ طائفي، فالدستور أعطى وجهاً طائفياً لهذا البلد، لذلك لا نستطيع محاربة الدستور الاّ بالدستور نفسه، فإذا أردنا أن نفتح أي بابٍ مدني، ندق حينها بلون لبنان الطائفي، وهناك ثلاث محاولات حتى الآن لعلمنة المجتمع اللبناني، ببطاقة الزواج المدني، ونحن في الكنيسة نعترف بالحريات، بالرغم من أننا في بلدٍ طائفي، ولكننا لا نحمل السيف على أحد قائلين أن الزواج الكنسي أو الإسلامي الشرعي إلزامي على الجميع،فهناك فئةٌ من اللبنانيين من غير المؤمنين بأيٍ من الأديان السماوية، فيلجأوا للزواج المدني ثم يسجلون زواجهم في لبنان ، وهذه ليست طائفةً مدنيةً جديدة.

وتابع حداد : الزواج المدني في لبنان بالكوادر القانونية يعني إدخال هذه الفئة بمثابة الطائفة الـ 20، وإعتبار أن لهم مايحق للمسلم والمسيحي من وظائف، وخاصةً بالكمية العددية التي ربما تتعدى الطوائف في يوم من الأيام إذا دخلت على هذا البلد، ونحن ككنيسةٍ نعتقد أن كل مسيحي مُعمد عليه أن يتزوج في الكنيسة، ومن يتزوج مدنياً لا يعود له الحق بأن يمارس أسرار الكنيسة المقدسة،هذا الرأي متطرفٌ قليلاً حيث أن هناك عدة تيارات في الكنيسة تعتقد أنه مبالغ به، ولكن الزواج المدني يُحرم على المسيحي المتزوج مدنياً أن يتعاطى بالدين، فيصبح غريباً وخجولاً ويشعر أنه عبءٌ على المجتمع، فالزواج بالنسبة للكنيسة هو عهدٌ، وليس مجرد عقد.

وختم حداد متسائلاً : هل نستعين بقوانين خارجية أجنبية لحل النزاعات العائلية للغير مؤمنين؟ فهذا الحل ليس قانونياً،مما يمكن أن يُسبب إنفجاراً ما في هذا البلد،فطبيعة القوانين إجبارية وليست إختيارية.

الشافعي
ثم كانت هناك مداخلة للقاضي الشيخ عبد العزيز الشافعي عن الفرق بين القانون المدني والقانون الشرعي قال فيها: القانون المدني هو القانون المنظم لكل مايتعلق بالقضايا الإجتماعية للأسرة، وهناك مجموعةٌ من الناس مهتمة بهذا القانون، وفي موضوع المساواة في حد ذاتها التي تقوم عليها الحضارة الغربية ،وهذه الفكرة تظهر سلبياتها يومٍ بعد يوم ، وبُعدها عن الواقع.
وتابع الشافعي قائلاً: قانون الطبيعة أصلاً مبنيٌ على النظام الأُسري الأبوي،الذي انشأ مجموعةً من الحضارات على مرّ القرون، وعندما كانت الدولة تصل الى السطوة في هذه الحضارات الى أن تتدخل بالنظام الاُسري والتحكم بالنسيج الإجتماعي ،كانت تتفكك وتزول.

وأردف الشافعي قائلاً : الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض، يتعلم بطريقة التجرية والخطأ، حتى يصل الى شيءٍ مستقر، والمشكلة أن التجربة والخطأ فيما يتعلق بمجتمعات وحضارات الشعوب تكلفتها تكون كبيرة، وممكنٌ أن تصل الى زوال المجتمع في حال الخطأ، والله تعالى ترك لنا اموراً كثيرة كي نعمل بها وعليها ولكنه اعطانا اموراً مفصلة لا تحتمل التجربة " أأنتم أعلمُ أم الله ".

وختم الشافعي مؤكداً أن القانون المدني للأحوال الشخصية لن يقدم لنا الاّ حريات غير منضبطة، فالحرية لا يمكن أن تُطبق بإطلاقها، والترويج لهذه الأمور سيوصلنا الى تفكك المجتمع والأُسر .


الشعار
ثم ألقى مفتي سماحة مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار كلمةً تساءل فيها : لماذا الزواج المدني، هل لأن كل واحدٍ من أبناء الوطن يحق له أن يختار؟ فلكل دولةٍ قانون، وعلى أبناء الدولة الإلتزام به.

واكدّ الشعار أنه لا وجود لأي حريةٍ مطلقة، فالحرية لها حدود، فإذا اقرينا الزواج المدني سيفاجؤنا آخرون بالزواج المثلي وزواج المحارم ، لأن هناك أيضاً اشخاصٌ ترغب بهذا الموضوع، ومن قال أن على الدولة تامين رغبات كل مواطن ،فالرغبات لها حدود، والرغبات الشاذة يجب أن تُقوّم.

وتابع الشعار قائلاً : الإسلام والمسيحية واليهودية، رسالاتٌ جاءت لتكريس موضوع الأسرة، والاخطاء التي تحدث في المحاكم يمكن أن تحدث في المحاكم الشرعية والروحية وأيضاً المدنية، فالإنسان خطاءٌ، وكل الأخطاء تُصوب وتُصلّح،ولكن لا يمكن تغيير قانون، فالتجرية في هذه الامور ستؤدي بالمجتمع الى الإنهيار.

وختم الشعار متمنياً على النقيب المراد إقامة مؤتمرموسع بالإشتراك مع دار الفتوى لمناقشة هذا الموضوع الحساس بشكلٍ موسع ، لنعلن أن الإسلام ليس دين المساواة فقط، إنما دين العدل والعدل أهم بكثيرٍ من المساواة.

وختاماً وبعد مداخلات ومساءلات من المشاركين ، قدمت غمراوي درعاً تكريمياً لكلٌ من النقيب المراد، والشيخ عساف ، والمطران حداد على مشاركتهم في هذه الندوة.