بالتعاون مع نقابة المحامين في طرابلس، أقام مركز "ريستارت" لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، ورشة تدريبية بعنوان " أصول التحقيق والتوثيق في قضايا التعذيب" ، بحضور نقيب المحامين في طرابلس والشمال محمد المراد، وأعضاء المجلس الأساتذة: بلال هرموش و يوسف الدويهي، وذلك في دار النقابة في طرابلس.
البداية بكلمةٍ ترحيبيةٍ من النقيب المراد استهلها بتوجيه تحيةٍ لمؤسسة " ريستارت"، التي واكبت هذا الموضوع منذ العام 1997، بدرايةٍ وعناد، بالرغم من جميع الصعوبات التي كانت موجودة تلك الفترة، حيث لم يكن لبنان قد وقّع على إتفاقية مناهضة التعذيب بعد، وكان الحديث عن التعذيب كالصندوق الأسود، فتحيةً الى "ريستارت" والى السيدة سوزان جبور، المؤمنة بالرسالة الإنسانية المتمثلة بقضية الإنسان وحريته والدفاع عن حقوقه".
وتابع النقيب المراد قائلاً:" لقد قطع لبنان شوطاً لا بأس به في مجال المواءمة مابين التشريعات الداخلية ومابين الإتفاقات الدولية التي وقّع عليها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإتفاقية مناهضة التعذيب، والعديد من الإتفاقات الأخرى، وبالرغم من سير هذه القوانين بشكلٍ بطيءٍ، الاّ أننا نلاحظ فرقاً كبيراً مابين عام 1997 واليوم، على الأقل على المستوى القانوني والتشريعي.

وأضاف النقيب المراد قائلاً:" لقد واكبت موضوع التعذيب والضرب والإكراه والضغط على أنواعه، حتى تحصل التحقيقات الأولية على إعترافٍ وإقرارٍ بجريمة، يتبين لاحقاً في كثيرٍ من الأحيان أنه باطل، لأنه حصل بسبب الإكراه والتعنيف، كما أنه حصل في بعض الأحيان حالات وفاة لأشخاص أثناء التحقيق معهم نتيجةً لممارسة التعذيب الجسدي والنفسي، حتى جاء قانون الـ 65/2017 ،ليقول لنا كيف يمكن أن نمنع جريمة التعذيب أثناء التحقيقات، سواءً قبل الدخول إلى السجن او خلاله، ولكن للأسف لايزال هذا القانون حبراً على ورق، بالرغم من مرور سنتين على إصداره، لكنه لم ياخذ بعد مفاعيله، ولم نشهد حتى الآن اي حكمٍ صدر.
وتابع النقيب المراد مؤكداً :" نقابة المحامين معنيةٌ بمناهضة التعذيب، وانا واثق ان هذه الورشة ستُلقي الضوء على ممارساتنا اليومية والعملية، حتى نستطيع القول كنقابة محامين وكمحامين زميلات وزملاء، أصبحنا قادرين على إبداء رأينا بجرأةٍ ومعرفةٍ وخبرةٍ أكبر، بعد ان جمعنا ثقافةً قانونيةً وخبرة بمسارات معينة، كسُبل التوثيق في جرائم التعذيب وغيرها".
وأردف النقيب المراد قائلاً:" التكنولوجيا تطورت كثيراً، وهذا مايُساعد اليوم في الإستغناء عن وسائل التعذيب التقليدية والضرب والإكراه، و٧٥٪ من الجرائم يتم ضبطها من خلال الدلائل العلمية كالرسائل النصية والواتسأب وجغرافية الإتصال وغيرها، فالأدلة العلمية سهلت كثيراً على الضابطة العدلية، حيث مدّتها بأدلةٍ غير قابلة للنقاش، وهنا نذكر ان 70٪ مما توصلت اليه التحقيقات في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كانت بأدلةٍ علمية".

وأضاف النقيب المراد قائلاً :" انشأنا في نقابة المحامين لجنة مختصةً بتوثيق التحقيقات، اسميناها لجنة السجون، تختص بمتابعة اوضاع المساجين في السجون وتأمين حقوقهم والمعاناة في الدخول الى بعض السجون بالنسبة للمحامين وللأهالي، كما تقوم هذه اللجنة بإعداد تقارير حول جرائم وادلة في تحقيقات حصلت وخالفت القوانين، وفي حال حصلنا على ملفٍ موثق بالتعذيب في مكانٍ ما، اعدكم اننا سنقوم بمتابعته حتى النهاية".
وتابع النقيب المراد متوجهاً للأساتذة المتدربين :" متأكدٌ أنكم ستشعرون بتحسنٍ كبيرٍ بعد انتهاء هذه الورشة التدريبية، حيث ستُضيفون الي علمكم علوماً، والى خبرتكم خبرة، واعتقد أن البعض منكم سيأخذ قراراً بمتابعة هذا المشوار، إرضاءً لضمائركم وقناعاتكم كمحامين ومحاميات، فمهنتنا عبارةٌ عن رسالةٍ، ونحن قادرون ان ندافع عن الإنسان، ومستعدون للدخول في هذا الحقل لإراحة ضمائرنا وإرضاء إنسانيتنا".
وختم النقيب المراد قائلاً:" فلنخرج من الثقافة القديمة، وننتقل جميعاً الى ثقافةٍ جديدة، نحترم فيها وطننا وقضائنا وأنفسنا وإنسانيتنا أكثر، لإعطاء صورة أجمل عن لبنان، فلنخرج من الغرف المُظلمة السوداء، وليكن التحقيق في غرفٍ بيضاء فيها الإضاءة والنور، فنحن ضد الجريمة في المُطلق، ولكن لا يجوز إرتكاب جريمةٍ على عُقب أخرى، فعلينا أن نُسهم جميعاً في إبعاد شبح التعذيب، والوسائل المهينة للإنسان، فإذا كان الله قد كرّم الإنسان فكيف لنا أن نهينه ونعذبه".
ثم كانت كلمةً للمديرة التنفيذية لمركز ريستارت سوزان جبور، استهلتها بتوجيه الشكر للنقيب المراد، ونقابة المحامين في طربلس على هذه الإستضافة، وعلى الشراكة القائمة بين مركز " ريستارت".
وتابعت قائلةً:" سمعت اليوم كلاماً جديداً في نقابة المحامين في طرابلس، واشكر نقيب المحامين على موقفه العلني الصريح والواضح في موضوع مناهضة التعذيب، وهذا نموذجٌ جديد يُقدم اليوم في نقابة المحامين، وهو عاملٌ مُطمئنٌ، فهذا الصرح هو الركن الأساسي في موضوع مناهضة التعذيب، ومن الرائع أن نجد من يرأس هذا الصرح يحاول توجيه رسالة لكم، يامن تمتهنون مهنة القانون التي تعتبر من أشرف المهن، والتي لها الدور الأساس في موضوع توثيق التعذيب، ومتابعة قضايا الأشخاص الذين يتعرضون لمعاملةٍ قاسية ومهينة ولا إنسانية.
وأضافت جبور قائلةً:" سنؤكد خلال هذين اليومين، على الدور الأساسي لكم كمحامين في إيصال الحق لأصحابه، مع مجموعةٍ من الأخصائيين الآخرين العاملين في مجال الصحة والطب الشرعي وغيره، وكيفية تكامل هذه الأدوار لمُساءلة المسؤولين عن جرائم التعذيب، فمازلنا حتى اليوم أمام "صفر" مساءلة بعد مرور سنتين على إصدار القانون الـ 65، وهذا مايطرح تساؤلاً كبيراً حول مدى جدية هذه الأشخاص المُوكلين بإحقاق الحق.
وختمت جبور قائلةً :" نسعى ونقابة المحامين في طرابلس عن طريق معهد حقوق الإنسان، لأن يصبح لدينا مجموعةً من المحامين المتخصصين ضد التعذيب، وهذا ما نُعوّل عليه، وسنعمل على إعداد مسودة تستطيعون العمل عليها في حال شعرتم بأن أحد المتهمين قد تعرض للتعذيب.

ثم تحدثت جبور عن أحكام إتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الإختياري الملحق بها، وأعطت لمحةً عامة عن القوانين الوطنية التي تهدف الى الوقاية من التعذيب، كما تحدثت عن "بروتوكول اسطنبول"، ودليل التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب، وعن الجزء القانوني في توثيق التعذيب .

اليوم الثاني
وفي اليوم الثاني من الورشة تحدث الدكتور عبد الرحمن أنوس عن بروتوكول اسطنبول، وعن دليل التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية اللاإنسانية أو المهينة، شارحاً كيفية توثيق التعذيب الجسدي.
ثم تحدثت الدكتورة ثناء حمزه عن توثيق التعذيب النفسي، كما شرحت السيدة جبور دور المحامي في الوقاية من التعذيب بحسب المعايير الدولية وعلى الصعيد الوطني، وعن تطوير استبيان قانوني تجريبي يكون بمثابة أداة للتحقيق في قضايا التعذيب في لبنان.

وفي الختام جرى تقييم للمشاركين في الورشة، وتعبئة استمارة ما بعد التدريب، كما تم وضع آليات لمتابعة العمل.